سبط ابن الجوزي
32
تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة ( ط المجمع العالمي )
وفيه يبدو هذا المنحى ، ومن العسير أن تقال في هذا الاتّجاه كلمة حاسمة ، ويبدو أنّ الحقيقة هي أنّ أبا المظفّر كان مغلوبا بحبّ عليّ وأبنائه ، ولكن دون أن يكون ذلك الحبّ متحيّفا لمقام أحد من الصّحابة . وقد سئل ذات مرّة أن يذكر للنّاس شيئا من مقتل الحسين ، فصعد المنبر وجلس طويلا لا يتكلّم ثمّ وضع المنديل على وجهه وبكى بكاء شديدا ، وردّد بيتين من الشّعر ، ونزل عن المنبر وهو يبكي ، وصعد إلى الصّالحيّة وهو كذلك « 1 » . وهذا الحبّ الجياش ربما كان هو الدّافع إلى كتابة مثل ذينك الكتابين المذكورين آنفا ، فقد كانت قضيّة الحسين - فيما يبدو - هي الدّافع الأكبر لمثل هذا التّوجّه ، وتلك قضيّة لم تشغل ذهنه وحسب بل شغلت ذهن جدّه من قبل ، فقد كان ابن الجوزي الجدّ يقول في بعض مجالسه : « لا تدنّسوا وقتنا بذكر من ضرب بالقضيب ثنايا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقبّلها » ، وكان مقتل الحسين يعترض تفكير السّبط في مواطن كثيرة ، تذكّر أنّ سكّين إبراهيم لم تقطع حلق ابنه لمّا قدّمه للذّبح فتساءل : كيف تمّ ذلك ، وقطعت حلق الحسين ؟ فأجاب على ذلك بعدّة أجوبة محتملة ، منها : أنّ الذّابح للغلام كان شفيقا والذّابح للحسين كان عدوّا ، والعدوّ ما في قلبه رحمة الوالد . . . « 2 » . أقول : أوّلا : ما اتّهم به من الترفّض والتّشيّع من قبل الذّهبي تعنّت وتطرّف في الحكم عليه ، إذ لم يأت السّبط بشيء تفرّد به عن غيره من علماء السّنّة ، فقد سبقه إلى ذلك الكثير من أعلام السّنّة ، مثل الشّافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة ، والنّسائي ، والحاكم ، وغيرهم ، وسار على أثرهم جماعة منهم إلى يومنا هذا . قال الشّافعي :
--> ( 1 ) البداية والنّهاية لابن كثير 13 / 207 . ( 2 ) مقدّمة السّفر الأوّل من مرآة الزّمان ص 31 - 32 .